صناعة التأمين مبنية في جوهرها على الثقة، وهي المبدأ ذاته الذي يحتاجه الذكاء الاصطناعي كي يعمل بفاعلية. لكن تقريراً جديداً صادراً عن شركة SAS بالتعاون مع مؤسسة IDC للأبحاث يكشف عن مفارقة حادة: شركات التأمين تمنح الذكاء الاصطناعي ثقة أكبر مما تستحقه أنظمتها الراهنة، في غياب شبه تام للحوكمة والبنية التحتية اللازمتين لتبرير تلك الثقة.
نضج متواضع في سوق يتسارع
يضع التقرير، المعنون بـ”تقرير البيانات والذكاء الاصطناعي: إلزامية الثقة”، قطاع التأمين في مرتبة متأخرة قياساً بالقطاعات الأخرى التي شملها التحليل، وهي الحكومة وعلوم الحياة والقطاع المصرفي. إذ يُسجّل التأمين “أضعف ملف” من حيث نضج البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والبيانات بين القطاعات الأربعة.
الأرقام تُترجم هذه الصورة بوضوح: 7% فقط من شركات التأمين تصف نفسها بأنها في مرحلة “التحول الحقيقي”، وهي أدنى نسبة بين جميع القطاعات المدروسة. فيما لا يزال 14% منها يعملون في صوامع بيانات معزولة تُعيق الابتكار وتُبطئ التبني المؤسسي للذكاء الاصطناعي.
الثقة بلا ضمانات: الخطر الحقيقي
ربما يكون المؤشر الأكثر إثارة للقلق هو ما يُسميه التقرير “فجوة الثقة”. 9% فقط من شركات التأمين تجمع بين مستوى عالٍ من الثقة في الذكاء الاصطناعي وقدرات حوكمة راسخة تُسوّغ هذه الثقة. أما الغالبية العظمى، فتقع في أحد فخّين متناقضين: إما الاستخدام المحدود لأنظمة موثوقة دون استغلال إمكاناتها الكاملة، وإما الاعتماد المفرط على أنظمة لم تثبت جدارتها بعد.
وهذا التوزيع يعني أن أكثر من 40% من شركات التأمين إما تُبدد فرصاً حقيقية أو تُراكم مخاطر خفية.
نقص الكفاءات والبيانات: عائقان مزدوجان
يرصد التقرير عقبتين بنيويتين تحدّان من قدرة القطاع على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي. الأولى هي غياب حوكمة البيانات الفعّالة، وهو ما أقرّ به 51% من المستطلَعين. والثانية أن النسبة ذاتها تقريباً أفادت بأن بنيتها التحتية للبيانات ليست مركزية ولا مُحسّنة. فضلاً عن ذلك، يرى 44% من المشاركين أن مؤسساتهم تفتقر إلى الكفاءات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.
أما على صعيد الاستثمار، فتبدو الصورة حذرة. 8% فقط من شركات التأمين تتوقع زيادة إنفاقها على الذكاء الاصطناعي بنسبة تتجاوز 20% خلال العام المقبل، فيما يتوقع نحو ثلث المستطلَعين زيادة لا تتجاوز 3% أو حتى تراجعاً في الاستثمار.
خفض التكاليف ليس الرهان الأذكى
يخلص التقرير إلى نتيجة تخالف الحكمة السائدة في كثير من المؤسسات: استخدام الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف يُدرّ أدنى عائد مقارنة بالاستخدامات الأخرى. الفرص الأكبر تكمن في تحسين تجربة العملاء وتوسيع الحصة السوقية وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة المتغيرات.
وفي هذا السياق، يُؤكد فرانكلين مانشستر، المستشار الاستراتيجي العالمي للتأمين في SAS، أن الذكاء الاصطناعي ليس حلاً سحرياً، وأن قيمته الحقيقية لا تتحقق إلا حين يكون مدعوماً بكفاءات بشرية وبيانات متكاملة وموثوقة، مشيراً إلى أن شركات التأمين التي ستنجح في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن عملياتها القائمة مع إرساء حوكمة مسؤولة ستمتلك ميزة تنافسية حقيقية في النمو والابتكار.
وتُلخّص كاثي لانج، مديرة الأبحاث في ممارسة الذكاء الاصطناعي والأتمتة بـIDC، المشهد بدقة: قطاع التأمين يسير في اتجاه صحيح نسبياً من حيث بناء ذكاء اصطناعي جدير بالثقة، لكنه يتأخر حين يتعلق الأمر بنضج البنية التحتية للبيانات والذكاء الاصطناعي، وهي الفجوة التي إن لم تُعالَج بجدية، ستجعل الثقة الممنوحة للتقنية أكبر بكثير مما تستحقه الأنظمة القائمة فعلاً.
الرابط المختصر: http://economy-live.com/?p=100007











