مع حلول شهر رمضان المبارك، تبدأ مصر في تغيير إيقاعها اليومي، وتستقبل أيامًا مختلفة تنعكس على تفاصيل الحياة كافة. ففي قلب الوطن العربي، تحلّ مصر في مكانة استثنائية بتاريخها العريق وتراثها الحضاري الممتد لآلاف السنين، وهو ما يظهر بوضوح مع كل مناسبة دينية، حين تتجدد الروح وتستيقظ الذاكرة الجماعية.
ومع قدوم الشهر الكريم، تكتسي المدن المصرية أجواءً احتفالية وروحانية تمتد من العاصمة القاهرة إلى القرى الصغيرة على ضفاف النيل. تتزيّن الشوارع والفنادق والمحال بالفوانيس والأضواء والزينة الملونة، فيما تعبق الأجواء بروائح المطبخ المصري التقليدي والحلويات الرمضانية التي تستقبل الزائر منذ اللحظة الأولى، وتمنح الشهر سحرًا خاصًا يميّزه عن سواه.
وفي هذا السياق، تواصل W7Worldwide للاستشارات الاستراتيجية والإعلامية، سلسلة “رمضان حول العالم” في رحلتها السنوية، حيث تستكشف في كل عام تجربة بلد مختلف مع حلول رمضان. وبعد محطات سابقة في السعودية وقطر وإندونيسيا، تحلّ السلسلة هذا العام في مصر، بلد الأزهر الشريف، والعمارة الإسلامية، والروح الشعبية التي تنثر البهجة في تفاصيل الشهر الفضيل.
وتهدف هذه السلسلة إلى تسليط الضوء على التجربة الرمضانية المصرية بكل تفاصيلها، حيث يجتمع الإيمان مع العادات الشعبية والفنون، في أجواء مبهجة تمنح الشهر شعورًا خاصًا بالسكينة والانتماء.
رمضان احتفال يجمع الروحانية والفرح
يتميّز رمضان في مصر بهوية فريدة تظهر مع اقتراب الشهر، فتتحرّك الأسواق، وتنشط الأحياء، وتُقام المعارض المخصصة لبيع تجهيزات رمضان من الياميش والتوابل والفوانيس. ومع حلول الأيام الأولى، تتزيّن الشوارع بالأضواء الملوّنة التي تضفي أجواء احتفالية واضحة على المشهد العام.
ومع إعلان رؤية الهلال، تنطلق الاحتفالات الرمضانية التي تغمر الأزقة والأحياء. تعلو أصوات الأغاني الشعبية القديمة مثل «وحوي يا وحوي»، ويحمل الأطفال فوانيسهم الملوّنة، يلوّحون بها وهم يجوبون الشوارع، بينما تتردّد عبارات التهنئة مثل “رمضان كريم” و”كل عام وأنتم بخير” بين الناس، وفي وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
وعند اقتراب موعد آذان المغرب، يتهيأ الجميع لسماع واحد من أشهر الأصوات المرتبطة برمضان في مصر: صوت مدفع الإفطار. ويُطلق المدفع حاليًا من أعلى هضبة المقطم القريبة من قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة، إلى جانب مدافع أخرى وُضعت في عدد من المحافظات. ومع انطلاق صوته، يعلن رمضان لحظة الإفطار، وتلتئم الأسرة حول المائدة في مشهد يومي راسخ في الذاكرة.
المساجد تمتلئ والليالي تزداد نورًا
مع حلول ليالي رمضان، تتزايد الحركة في المساجد التاريخية التي تشكّل قلب القاهرة الروحي. ويتصدر المشهد كل من الجامع الأزهر، ومسجد الإمام الحسين، ومسجد عمرو بن العاص، حيث تستقبل هذه المساجد آلاف المصلين لأداء صلوات التراويح والتهجد.
تتعالى أصوات تلاوة القرآن الكريم، وتنتشر حلقات الذكر والدروس الليلية، بينما تزدحم الساحات الخارجية بالزوار من مختلف الأعمار، في صورة تعكس كيف يحضر رمضان في مصر بوصفه تجربة جماعية تتشاركها القلوب قبل الأماكن.
المطبخ الرمضاني ذاكرة متوارثة
ومع حلول وقت الإفطار، يحضر المطبخ المصري بوصفه أحد أهم ملامح رمضان في مصر. فهو مطبخ يجمع بين الأصالة والابتكار، وتحمل أطباقه نكهات وذكريات متوارثة عبر الأجيال.
تبدأ موائد الإفطار بالتمر والمشروبات الرمضانية الشهيرة مثل قمر الدين، والخشاف، والتمر الهندي، والكركديه، والسوبيا، قبل الانتقال إلى الأطباق المصرية التقليدية مثل المحشي، والملوخية، والدجاج، والطواجن المتنوعة، إلى جانب أطباق الشوربة الدافئة.
أما الحلويات، فتتقدّم المشهد مع حلول المساء، حيث تتصدّر الكنافة والقطايف بمختلف حشواتها، وتزدحم محال الحلويات والأسواق بالزوار، لتتحول المائدة الرمضانية إلى صورة حيّة لسخاء العائلة المصرية واحتفالها بالشهر الكريم.
التكافل الاجتماعي يتقدّم إلى الواجهة
تحمل العادات الرمضانية في مصر قيمة اجتماعية وثقافية كبيرة تتجلّى مع حلول الشهر، حيث تتجمع العائلات يوميًا على مائدة الإفطار، وتزداد الروابط الأسرية دفئًا وقربًا.
وتبرز موائد الرحمن في الشوارع والساحات كأحد أهم مظاهر رمضان، حيث يُقدَّم الطعام للصائمين دون تفرقة، في مشهد يعكس روح العطاء والتكافل التي تتصدّر المشهد الاجتماعي خلال الشهر الفضيل.
ومع دخول العشر الأواخر من رمضان، ينتشر الاعتكاف في المساجد، ويزداد الإقبال على العبادات والأعمال الخيرية، من تبرعات وصدقات وتوزيع شنط غذائية، في تأكيد واضح على القيم الروحية والإنسانية التي يحملها الشهر الكريم.
القاهرة تسهر على إيقاع رمضان
ومع حلول الليل في رمضان، تبدأ القاهرة فصلًا آخر من أجواء الشهر. تمتد السهرات حتى السحور، وتتحول المناطق التاريخية إلى مساحات نابضة بالحياة، حيث تستضيف شوارع مثل المعز وخان الخليلي حلقات الإنشاد الديني والعروض التراثية، وتستقبل الزوار من داخل مصر وخارجها.
وفي المقاهي الأثرية، تستمر السهرات الرمضانية على إيقاع الموشحات والتواشيح، بينما تختلط رائحة القهوة بدفء الأحاديث، لتبقى هذه الأماكن أيقونة للسهر الرمضاني الأصيل. وفي المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية، تتواصل الاحتفالات الليلية مع الأسواق المفتوحة والخيم الرمضانية التي تقدم الأطباق الشعبية والعروض الفنية.
رمضان في مصر… حين يحلّ الفرح والسكينة معًا
يظل رمضان في مصر حين يحلّ كل عام مزيجًا متكاملًا بين الروحانية والفرح، وبين التقاليد العريقة والتجديد في مظاهر الاحتفال والتواصل الاجتماعي. ويشكّل الشهر الكريم محطة سنوية ينتظرها المصريون بلهفة، تتجسد فيها قيم الكرم والمحبة والرحمة.
رمضان في مصر: حكايات لا تنتهي
تأخذكم سلسلة “رمضان في مصر” في رحلة تمتد طوال الشهر الفضيل، لاستكشاف الأطباق الرمضانية التقليدية، والعادات الشعبية في القرى والمدن، وأجمل أماكن السهر الرمضاني في القاهرة والإسكندرية، إلى جانب أجواء العيد بعد نهاية الشهر الكريم.
نسعد بمرافقتكم في استكشاف قصص رمضان في مصر، بين شوارعها المضيئة، وعبق تاريخها العريق، وروحانيات لياليها، في تجربة تعكس جمال بلد لا يمرّ عليه رمضان مرورًا عابرًا، بل يحلّ ويترك أثره في القلوب.
الرابط المختصر: http://economy-live.com/?p=96690











